جدور لفظة بربر – برابرة
بقلم: أحمد سوكارنو عبد الحافظ
لقد استخدم الإغريق هذه اللفظة “برابرة” للإشارة إلى الحضارات والثقافات الأجنبية التى التقوا بها ومنها الحضارة المصرية والفارسية والسلتية والألمانية والفينيقية ويقال إن أصل الكلمة نابع من سخرية الإغريق من ناطقى اللغات الأخرى غير الإغريقية أو ناطقى اللغة الإغريقية بطريقة خاطئة وكانت تستخدم للإشارة إلى شخص غريب أو قبيلة أجنبية والتى لا يتحدث أفرادها اللغة الإغريقية وكانت تطلق أيضا على الإغريق الذين لا يجيدون اللغة. ومن القبائل التى أطلقوا عليها هذه اللفظة الفايكنج والقوطيين. أما الرومان فكانوا يطلقون لفظة البرابرة على جيرانهم من القبائل الجرمانية فى الشمال وتحديدا فى جيرمانيا (ألمانيا)، واستخدمها أيضا النورمانديون حين غزوا انجلترا والقوطيون حين تمردوا ووضعوا نهاية للامبرطورية الرومانية فى عام 470 بعد الميلاد. وكان الفرس يستخدمون نفس الكلمة حين يتحدثون عن الإغريق والرومان والعرب وكان البيزنطيون يستخدمونها للإشارة إلى البدو (قبائل البيشنج والكيتشاك الذين يقطنون شمال البحر الأسود) والهنود للإشارة إلى الثقافات الغريبة واعتبر الصينيون الثقافات الأخرى كالمغول والتتار والأتراك واليابانيين والكوريين والفيتناميين والأوربيين برابرة. فعند وصول الأوربيين إلى اليابان أطلقوا عليهم برابرة الجنوب وكذلك فعلت قبائل الأنكا فى أمريكا الجنوبية للإشارة إلى كل الشعوب التى تعيش خارج إمبراطوريتهم. أما فى العصر الحالى فإن لفظة البربر تطلق على المواطنين الأصليين الذين يعيشون فى شمال إفريقيا. وهؤلاء القوم الذين يطلق عليهم أيضا الأمازيغ ينتشرون من سواحل المحيط الاطلنطى إلى واحة سيوة ومن سواحل البحر المتوسط حتى نهر النيجر. وكذلك تعرف لغاتهم باللغات البربرية التى تنقسم إلى عدة لغات تشكل العائلة اللغوية المعروفة بالافرواسيوية ويعيش معظم البربر فى الجزائر والمغرب. ويعتبر الرومان هم أول من أطلقوا عليهم هذه اللفظة التى تبناها العرب فيما بعد عند الإشارة لهؤلاء القوم.
من الملاحظ أن لفظة “برابرة” كانت تطلق على الشعوب الاخرى فى العصور القديمة غير أن بعض الناس مازالوا يعيشون فى الكهوف. لقد اعتاد بعض المصريين الإشارة إلى النوبيين بلفظة “برابرة”. فمحافظ أسوان الأسبق قدرى عثمان ( 19 مارس 1984 إلى 3 أغسطس 1991) نطق بها مما تسبب فى أزمة لم تهدأ عواصفها إلا بعد أن تدخل رئيس الوزراء حينذاك، الدكتور عاطف صدقى. ومن المؤكد أن مسئول مديرية الشباب الذى أشعل الأزمة يدرك أن هذه الكلمة “برابرة” تشير إلى فرد أو جماعة أثنية غير متحضرة وتفتقد إلى المكانة الاجتماعية. تقول اليزابيث سميث فى كتابها “كايرو كوزموبوليتان” إن هذه اللفظة تعبير عن الازدراء والسخرية وتدل على النظرة المتعالية. لا شك أن إنسانا محترما يتمتع بقواه العقلية وتربى فى كنف أسرة وعائلة طيبة لا يمكن أن يوجه إهانة لفئة من الناس. لا نبالغ إذا قلنا إن هذه اللفظة تنتشر فى محيط الطبقات الدنيا التى يعيش معظم أفرادها تحت خط الفقر أو يتخذون من المقابر مسكنا لهم وبالتالى فأنهم مصابون بما يعرف بكراهية الذات غير أن الإنسان يسعى مرارا للخروج من هذه النظرة المتدنية للنفس من خلال البحث عن أفراد يعتبرهم اقل منه مكانة وشأنا معتقدا بأنه قد أدى خدمة جليلة لذاته المهزومة ونفسيته الخربة. وهذا السلوك المنهزم يكسو الجسد الهزيل الجائع الذى لا يعبأ بما يسببه لسانه العفن من ألم نفسى وغضب لفرد أو أفراد لم يسيئوا إليه. روز اليوسف، عدد 1261، 24 أغسطس 2009م، ص 9.

























لا تعليقات في " جدور لفظة بربر – برابرة "